حاولت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في أول انتخابات طلابية في ظل التعديل الأخير للائحة الطلابية 2007، أن تستوضح عدد من ملامح هذه الانتخابات، ما هو أهم ما يميزها ؟ هل تختلف عن انتخابات الأعوام السابقة؟ كيف أثرت التعديلات في اللائحة الجديدة علي سير الانتخابات؟، وغيرها من الأسئلة الهامة.
فقد توقعت المؤسسة أن التعديلات في اللائحة سوف تزيد واقع الانتخابات الطلابية سواء من خلال فرض عدد جديد من القيود، التي تعيق أي محاولة للخروج من دائرة سيطرة الإدارة الجامعية والأمن علي الحياة الطلابية.
ربما لا نستطيع الخروج بمؤشرات دقيقة حول ما حدث في الانتخابات وذلك يرجع لعدد من العوامل يأتي في مقدمتها حالة تضارب المعلومات أو غيابها التي تحيط بالانتخابات، وحالة التعتيم المتعمدة التي تقوم بها الإدارة الجامعية، ولذلك لا تتعدي هذه المحاولة كونها بعض الملاحظات والمؤشرات الصغيرة، التي أتت من ملاحظات شخصية، من خلال التواجد في المراحل المختلفة للانتخابات، أو من خلال بعض اللقاءات الشخصية مع طلاب كانوا لهم صلة مباشرة بالعملية الانتخابية وأخيرا من الأخبار التي نشرت في أغلب الصحف القومية والمعارضة والمستقلة حول الانتخابات.
ملاحظات علي الانتخابات الطلابية في جامعة القاهرة - نموذجا-:
تم الإعلان لأول مرة عن انتخابات اتحاد الطلاب في الكليات، في حوالي الساعة الثالثة مساءا يوم الخامس من أكتوبر، والذي توسط أجازة عيد الفطر المبارك، ويوم السادس من أكتوبر.
ومن البديهي أن أغلب كليات الجامعة كانت شبه خالية من الطلاب، وقد تم هذا الإعلان في حدود ضيقة جدا من خلال ورقة صغيرة تم تعليقها في بعض الكليات تحتوي علي مواعيد الانتخابات، بينما خلت البعض الأخر من الكليات من أية إشارات عن موعد بدء الانتخابات.
مما أدي إلي حالة من الارتباك والغموض حول موعد الانتخابات لدي البعض، حتى إنهم اعتقدوا أن فتح باب الترشيح قد فتح وأغلق يوم 5 أكتوبر دون علم أحد.
وقد كان الميعاد الفعلي لفتح باب الترشيح يوم 7 أكتوبر، وكان استقبال أوراق المرشحين يتم في مكاتب رعاية الشباب من الساعة التاسعة صباحا وحتى الثالثة مساءا.
وقد غابت أية مظاهر واضحة للانتخابات من أغلب كليات الجامعة، فبصعوبة شديدة يمكن أن تكتشف بدء الانتخابات إذا توجهت إلي مكاتب رعاية الشباب، أو إذا لاحظت بالصدفة لوحة واحدة تعلن عن مواعيد الانتخابات أو عن شروط التقدم للترشيح في انتخابات الاتحادات.
وإذا حاولت سؤال أحد موظفي رعاية الشباب عن أي معلومة خاصة بالانتخابات، فالرد أما يكون التهرب أو سؤالك العديد من الأسئلة حول من تكون، ولماذا تريد المعرفة، وغيرها وفي النهاية عدم إبداء أية إجابة واضحة.
ربما لا يمكن بسهولة تحديد نسبة المشاركة في الانتخابات - سواء عدد المرشحين في كل كلية، أو عدد الناخبين – من خلال الملاحظات المجردة، وبالإضافة إلي ذلك لا توجد إحصاءات دقيقة عن مثل هذه المعلومات، فقد التزمت أغلب كليات الجامعة الصمت حينما تضاربات الأرقام بين الصحف المختلفة القومية والمعارضة، التي أشار بعضها إلي ارتفاع هذه النسب عن ما هو معتاد كل عام، بينما أشار بعضها الاخر، أن هذه النسب تكاد تكون معدومة في بعض الكليات.
ولكن يمكن لنا الاستدلال علي بعض مؤشرات هذه المشاركة من خلال بعض الملاحظات مثل حالة السكون والهدوء التي أحاطت بالانتخابات، وعدم علم أغلب الطلاب بوجود انتخابات من الأساس. – وخاصة إذا كانوا من غير المنتمين إلي تيارات سياسية -.
وكذلك عند الحديث عن الأرقام الدقيقة لمن تم استبعادهم من الانتخابات، سواء تم هذا الاستبعاد من البداية عند رفض أخذ طلبات الترشيح – وخاصة بحجة عدم سداد المصاريف الدراسية -، أو سواء تم هذه الاستبعاد في مرحلة لاحقة عندما تم شطبهم من قوائم الترشيح النهائية.
وهناك مؤشرا هام أيضا لمدي جدية ونزاهة هذه الانتخابات، وهو أن أغلب من فازوا في الانتخابات كانوا من أعضاء الاتحاد العام السابق، فالاتحاد لم يشهد أية وجوه جديدة في أغلب الكليات – وهذا طبقا لتصريحات غير رسمية لبعض موظفي رعاية الشباب بالكليات –
وهذا فضلا عن ما نشر في الجرائد أن أغلب مناصب الاتحاد حسمت في أغلب الكليات من خلال التزكية، وأن في البعض الأخر من الكليات كان عدد المتقدمين للترشيح أقل من عدد المناصب التي ينبغي شغلها، وهذا طبقا لبعض التصريحات الرسمية التي نشرت في الجرائد والتي سوف يتم الإشارة إليها لاحقا.
الخلاصة:
اعتبر البعض أن هذه الانتخابات هي الأسوأ في تاريخ الانتخابات الطلابية، وبصرف النظر عن كونها هكذا أو لا، فهي بلا شك تعد الأسوأ مقارنة بالأعوام السابقة، وهو ما ينعكس بشكل أساسي من خلال عدد من المؤشرات الرئيسية هو تدني نسبة المشاركة الطلابية في الانتخابات سواء كان ذلك في عدد المرشحين أو إقبال الناخبين، وهو ما أدي إلي حسم نتائج الانتخابات في اغلب الكليات بالتزكية، نظرا لعدم اكتمال النصاب القانوني ( 20 % في الإعادة )، هذا بالإضافة إلي زيادة الانتهاكات والتدخلات الأمنية فكما أشارات بعض الجرائد وبعض الطلاب، أن الشطب واستبعاد هذا العام لم يقتصر علي الطلاب المنتمين إلي تيارات سياسية وفكرية فحسب، بل أنه وصل إلي استبعاد كل من هم ليسوا علي علاقة مباشرة بالاتحاد الرسمي والإدارة[1]، حتى أن الطلاب اللذين نجحوا هذا العام هم أنفسهم من شكلوا الاتحاد في العام السابق ، في أغلب الكليات، كما أن البعض قد أعلن – بشكل غير رسمي – عن من سوف يفوز في الانتخابات قبل انتهائهاـ،[2] مما يعكس بشكل واضح أن الموضوع لا يتعدى كونه مسرحية هزلية غير متقنة.
وهناك عدد من الأسباب التي يمكن لنا اعتبراها ساهمت بشكل أو بآخر في تراجع الانتخابات إلي الوراء:
- تناقص مساحات الحرية في تعديل اللائحة:
أن أهم ما يميز هذه الانتخابات هو كونها الانتخابات الأولي في ظل التعديلات الأخيرة في اللائحة الطلابية– 2007.
وأهم ما يتضمنه هذا التعديل هو كونه انتقص من الحقوق الطلابية وخاصة تلك المتعلقة بالحق في الانتخاب والترشيح.
ومن أكثر التعديلات تأثيرا علي الانتخابات هو شرط تسديد المصروفات الدراسية كاملة، حتى يتمكن الطالب من الانتخاب أو الترشيح، وهو ما أثر إلي حد بعيد علي نسبة المشاركة، فالكل يعلم أن نسبة الطلاب اللذين يدفعون المصروفات في أول العام الدراسي – الأسبوع الثالث من الدراسة هذا العام – هي نسبة قليلة للغاية.
كما أنه شكل أيضا سبب رئيسي لرفض أوراق الكثير من المرشحين بحجة أنهم غير مسددين للمصروفات.
ويأتي في المرتبة الثانية بعد هذا الشرط، هو نص اللائحة بشكل قاطع علي المنع التام لاستخدام أية شعارات دينية أو حزبية أو فئوية، والذي صاحبه تصريحات للمسئولين بالصحف تهدد من ينتهك هذا الشرط، وهو ما ارتبط بتراجع مواقف التيارات السياسية، ومحاولاتها خلق موازنات وعلي رأسها الأخوان المسلمين.
وأخيرا الجزء الأخير الذي يعد أيضا هو حلقة من مسلسل يتكرر كل عام وهو شطب واستبعاد الطلاب المنتمين إلي تيارات سياسية وفكرية، ولكن الجديد هذا العام – كما سبق الإشارة، هو استبعاد كل من ليسوا علي علاقة مباشرة بالإدارة الجامعية حتى لو كانوا غير منتمين سياسيا، لتصبح الانتخابات محسومة بالتزكية بلا منافسة لصالح طلاب الاتحاد – أغلبهم من اتحاد العام السابق- [3]، ولا يكون أمام الطلاب الآخرين شيئا سوي تقديم الطعون أو رفع دعوة قضائية تطعن في الانتخابات.[4]
- زيادة مساحة التعتيم وغياب المعلومات:
ربما يعد هذا العامل ليس جديدا تماما، فلسنوات طويلة كان أحد أهم الآليات التي تستخدمها الإدارة الجامعية هو التعتيم علي ما يحدث، وعدم الشفافية في مراحل الانتخابات المختلفة.
ولكن ما تغير هذا العام هو زيادة هذه التعتيم بشكل ملحوظ عن ما كان معتاد عليه، وجزء من هذا يمكن لنا إرجاعه إلي كون هذه الانتخابات هي الأولي في ظل التعديلات في اللائحة الطلابية، وعليه فأن عدد من هذه التعديلات لازال غير واضحا بالقدر الكافي للطلاب أو حتى لموظفي رعاية الشباب القائمين علي الانتخابات.
كما أن اللائحة نفسها تعمدت وجود بعض البنود التي تخلق حولها حالة من الغموض وعدم الفهم.
هذا فضلا عن كون إجراءات الانتخابات ذاتها شهدت غموضا وتعتيم، فتضاربت الأقوال في البداية حول ميعاد فتح باب الترشيح، وحول الأوراق المطلوبة للترشيح، كما رفض بعض موظفين رعاية الشباب استلام أوراق الترشيح من الطلاب بحجة أن باب الترشيح لم يكن فتح بعد بالرغم من وجود إعلان في الكلية ينص علي بدء الانتخابات وفتح باب الترشيح.[5]
ويمكن لنا أيضا أن الاستدلال حالة التعتيم هذه من خلال تضارب الأرقام ونسب المشاركة التي نشرت في الصحف، وبرغم من الاهتمام الإعلامي الكبير الذي تحظي به الانتخابات الطلابية، إلا أنه لا يوجد في النهاية أرقام دقيقة أو معلومات موحدة بين الجرائد المختلفة.
فقد أشارت بعض هذه الصحف إلي الانتخابات لم تجري في جامعة القاهرة إلا في 7 كليات من أصل 20 كلية، بينما حسمت في الكليات الأخرى بالتزكية، [6]ولم يكن وضع الجامعات الأخرى أفضل كثيرا، فالتصريحات الرمية في جامعة حلوان أن 75% تم حسمه بالتزكية.[7]
بينما أشار البعض الأخر أن من تقدموا لخوض الانتخابات هم حوالي 5 ألاف طالب علي مستوي الجامعات الحكومية.[8]
هذا فضلا عن عدم وجود أي أشارات عن نسبة المشاركة من الناخبين.
- تراجع مواقف الحركات السياسية – مقارنة بالأعوام السابقة –
يمكن لنا اعتبار الانتخابات الطلابية في الأعوام السابقة صراعا بين طرفين أساسين، أحدوهما هو الإدارة الجامعية، ويمثلها طلاب الاتحاد الرسمي، والأخر هو طلاب التيارات السياسية اللذين يحاولون التقدم بترشيح أنفسهم، - وعلي رأسهم طلاب الأخوان المسلمون-.
وعلي قدر ما يمكن لنا اعتبار هذا مظهر سلبي، باعتبار أنه يعكس عدم قدرة الانتخابات الطلابية علي التواصل مع جمهور الطلاب من جهة، وعزوف الطلاب - غير المنتمين إلي تيارات سياسية وفكرية - عن المشاركة من جهة أخري، إلا أنه في الوقت ذاته كان يخلق حالة ما من الحركة داخل الجامعات، والتي كانت تستغل بشكل أو بأخر، في لفت نظر الطلاب الغير مهتمين، أو ربما جذبهم – حتى ولو كان بداعي الفضول – للاتصال بالانتخابات، مما كان يمكن أن يساهم علي المدى الطويل بارتفاع نسبة المشاركة، والخروج بالانتخابات من دائرة الصراع بين تيارات سياسية، إلي كونها انتخابات طلابية من المفترض أن تمثل جميع طلاب الجامعة.
بالإضافة إلي ذلك فأن حالة الحركة تلك التي تحيط بالانتخابات كان يتم الرهان عليها، باعتبارها أحد وسائل الضغط التي يمارسها الطلاب في مواجهة الإدارة الجامعية، كرد فعل علي الانتهاكات التي تقوم بها الإدارة والأمن، وفي محاولة منهم في كسب مساحات اكبر من الحرية والحركة.
ولذلك فعندما تتراجع مواقف التيارات السياسية إلي الوراء، فبصرف النظر عن أسباب هذه التراجع سواء كانت موازنات سياسية، أو اختيار تفضيل مقاطعة الانتخابات تماما أو غيرها، فستظل النتيجة المباشرة لمثل هذا التراجع هو انخفاض مساحة الحركة المحيطة بالانتخابات، وبالتالي خسارة تلك المكاسب التي كانت تحققها.
وإذا حاولنا ذكر مواقف التيارات السياسية تفصيلا فقد اختلفت هذه المواقف بين المقاطعة الكاملة للانتخابات مثل ما قام به الطلاب الاشتراكين.
أما عن الأخوان فقد شهد مواقفهم تضاربا، فبين المقاطعة التامة في جامعة عين شمس، وبعض كليات جامعة القاهرة،[9] وبين اقتصار الترشيح علي اللجنة الفنية في بعض الكليات الأخرى بجامعة القاهرة، وقد كان مجمل الكليات التي تقدم طلاب الأخوان بمرشحين فيها في جامعة القاهرة هي تسعة كليات، وهي العلوم والآداب، والتجارة ودار علوم، والطب، والصيدلة، والهندسة، والزراعة، وقد تقدم جميع المرشحين للجنة الفنية، و قامت الإدارة بشطبهم جميعا، بالإضافة إلي تحويل بعضهم لمجالس تأديب[10]
بالإضافة إلي هذا قدم طلاب الأخوان مبادرة إلي رئيس الجامعة باسم " مئوية الأمل " تطرح موقفهم ورؤيتهم من الانتخابات، وخاصا ما يتعلق برغبتهم في الوجود في لجنة وهي اللجنة الفنية، كما أكدت علي استمرارهم في محاولات تسجيل الأسر الطلابية [11]، والتي يمارسون النشاط من خلالها بدلا من استخدام أسم طلاب الأخوان المسلمين، هذا إضافة إلي الإشارة ضمنا – بشكل غير مباشر – إلي أنهم سوف يتخلون عن ممارسة النشاط السياسي والاقتصار فقط علي النشاط الاجتماعي والخدمي، في محاولة منهم لإنهاء التعرض للتحقيقات ومجالس التأديب وغيرها من الإجراءات التعسفية التي تمارس ضدهم.[12]
كما قام طلاب الأخوان في جامعتي القاهرة وعين شمس بوقفات احتجاجية رمزية ردا علي التجاوزات التي حدثت في الانتخابات سواء باستبعادهم وتحويل بعضهم إلي التحقيق[13].
أما جامعة المنصورة فهي الجامعة الوحيدة التي شهدت محاولة للقيام بانتخابات اتحاد حر، - وهي الجامعة الوحيدة التي أجريت فيها انتخابات اتحاد حر هذا العام، والتي انتهت باعتداء الأمن بالضرب علي الطلاب، وتحويل بعضهم لمجالس التأديب.
وهكذا كانت الانتخابات الأولي في ظل التعديلات الأخيرة للائحة الطلابية، بعيدة كل البعد عن تمثيل إدارة الطلاب.
[1] جريدة الوفد، الثلاثاء، 14 أكتوبر 2008
[2] جريدة الدستور، الثلاثاء، 14 أكتوبر 2008
[3] جريدة الوفد، الأربعاء 22 أكتوبر 2008
[4] قامت مؤسسة حرية الفكر والتعبير برفع دعوتين قضائيتين في جامعتي الأسكندرية والمنصورة.
[5] جريدة المسائية، الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
[6] نهضة مصر، الأحد 19 أكتوبر 2008
[7] جريدة الأخبار، الأثنين 13 أكتوبر 2008
[8] جريدة الأهرام الثلاثاء، 14 أكتوبر 2008
[9] جريدة المصري اليوم، الجمعة 10 أكتوبر 2008
[10] تقرير حصلت عليه المؤسسة من طلاب الأخوان المسلمين بجامعة القاهرة
[11] مبادرة طلاب الأخوان المسلمين بجامعة القاهرة، 7 أكتوبر 2008
[12] العنصر الثالث من مبادرة طلاب الأخوان المسلمين.
[13] الدستور، الخميس 16 اكتوبر 2008
|