الرئيسية

اتصل بنا

عن المؤسسة

English

 

تابعونا علي


 

 

 

 

ربما يكون من الأشياء الأساسية للمهتمين بتاريخ تطور اللوائح الطلابية، هي تواريخ تغيير هذه اللوائح وعلاقتها بالمناخ السياسي الاجتماعي في كل مرحلة، والذي كان يفرض نفسه من خلال مساحة الحرية التي يمكن إعطائها لطلاب الجامعات في ظل هذا الوضع، دون أن تهدد النظام السياسي.

 

وتختلف علاقة الأطر الرسمية بالحركة الطلابية باختلاف الظروف العامة في المجتمع، ففي ظل مناخ الحرية تكون الاتحادات الطلابية أكثر تعبيراً عن طموحات وأهداف الحركة الطلابية، مما يمكنها من استيعاب أكبر عدد ممكن من الراغبين في المشاركة.

 

وتتوقف فعالية العمل الطلابي العام على المناخ السائد في المجتمع، فكلما تزايدت أجواء الحرية، كلما ازداد بروز النشاط الطلابي، مع ملاحظة أن الحركة الطلابية كانت دائماً في طليعة المطالبين بالديمقراطية، فارتبطت المسألة الديمقراطية داخل الجامعة دائما بقضية الديمقراطية في البلاد ككل.[1]

 

وبالتالي يصبح من البديهي أن تضيق هذه المساحات كلما ازداد الوضع السياسي سوءا، وكالما زاد رعب النظام السياسي من فقد السيطرة علي الأمور خارج الجامعة أو داخلها.

 

وبالتالي لا يمكن لنا أن نري اللوائح الطلابية أو نفهمها بمعزل عن الظرف التاريخي والوضع السياسي العام، وسياسات الحكومة بشكل عام تجاه الطلاب.

 

فعندما ترسل الحكومة للمجتمع رسائل تتعلق بالمشاركة السياسية للشباب، وتنمية الوعي السياسي، وروح الوطنية والقومية العربية، يصبح العمل الطلابي واجب وطني، والعمل السياسي من المشاهد اليومية والأمور الطبيعية التي ليست محل للجدل أو لفت الأنظار.

 

أما عندما يصبح هذا العمل الطلابي والسياسي غير مرض عنه من قبل الحكومة أو ربما يشكل خطرا عليها، يصبح الحديث عن السياسة في الجامعة من الأمور المحرمة، بل أن الحكومة تتعامل مع الأمر باعتبار أن الذي يتحدث عن السياسة بالجامعة لابد أنه يحمل أغرضا شخصية مخربة، وتفاجئنا بالقول أن الجامعة ليست مكان لممارسة السياسة، بل هي مكان للعلم فقط.

 

وربما يكون حديث الرئيس السابق أنور السادات في أعقاب أحداث انتفاضة الخبز في 18و19 يناير من عام1977والتى شارك فيها عموم الطلاب ليس بصفتهم طلاب بالجامعات المصرية، وإنما بصفتهم مواطنون خرجوا جميعا في لحظة مواتية -آنذاك- ليعبروا عن رأيهم في تلك السياسات الحكومية التي كانت محل سخط شديد من قبل كافة أبناء الشعب، في ذلك السياق أطلق السادات صيحته الشهيرة "أنا بقول إضراب، اعتصام، تعطيل للدراسة، عمل البلطجة إللى بيتم داخل حرم الجامعة ممنوع، استغلال المادة المتفجرة في الشباب إللى هما الطلبة لا، لا يجب أن تكون في الجامعة مرة أخرى أبدا، رسالة المعاهد التعليمية هي العلم، مفيش اجتماعات سياسية داخل الجامعة إطلاقا، إللى عايز يشتغل سياسة يروح يدور على الحزب إللى هو عايزه بره"[2].

 

وبذلك تصبح الجامعة تارة المكان الذي يتكون فيه وعي الشباب وشخصيتهم، وتارة مكان للعلم، وتارة مكان لممارسة الأنشطة، وتارة حلبة صراع سياسي. حسب أجندة الدولة السياسية يتغير تعريف الجامعة لدي الحكومة.

 

حتى أن ما تعنيه إدارة الجامعة بالعمل السياسي يختلف أيضا من لحظة تاريخية لأخرى، فعندما تحدثت اللوائح الطلابية في الستينات عن ممارسة العمل السياسي باعتباره أحد أهم الأنشطة التي يجب أن يحرص الطلاب علي الانخراط بها، كانت تقصد نوعا معينا من النشاط السياسي، والذي يقتصر إلي حد كبير علي رفع وعي الطلاب بالفكر الناصري والقضايا القومية، وجعلهم على اتصال دائم بها، من خلال لجان رسمية – منظمة الشباب – تابعة بشكل مباشر لجهات حكومية، وعمل مجموعة من الندوات التوعوية، وبعض الشعارات الناصرية وغيرها، مع حجب أي مصدر آخر لأي فكر سياسي يختلف عن الفكر الحكومي أو الرسمي.

 

وفي مراحل أخري يصبح العمل السياسي أمرا مباحا بشكل عام، بشرط إبعاد الانتماءات الحزبية، وبذلك يكون الحديث حول حظر العمل الحزبي، حتى لا تتحول الجامعة إلي ساحة للصراع الحزبي، مما يطرح تساؤلات حول وجود إمكانية حقيقية للفصل بين الاثنين[3].

 

ومع الأسف لا يتغير هذا التعريف لدي الحكومة فقط، بل تصدر الحكومة هذا التعريف للمجتمع باعتبار أن هذا هو الوضع الطبيعي وإن أي وضع آخر هو بدعة تبتدعها قوي سياسية مخربة.

 

فنجد أن عددا كبير من الطلاب يتعجب من فكرة ممارسة السياسية في الجامعات، أو حتى ممارسة العمل الطلابي، ويقر بأنه موجود في الجامعة ليتعلم وأن أي عمل آخر يعطل هذا الهدف ويؤثر عليه سلبا.

 

وبصرف النظر عن تقييمنا الشخصي لهذا الرأي أو تعريفنا لدور الجامعة، فأننا نود أن نذكر أنه ليس هذا هو الوضع الطبيعي أو الوحيد الذي يمكن أن تكون عليه الجامعات.

 

وأن ممارسة النشاط الطلابي بشكل عام والسياسي بشكل خاص كانت لسنوات طويلة من الأمور اليومية الطبيعة في حياة الطلبة المصريين.

 

ويمكن لنا أن نستدل علي ذلك إذا حاولنا دراسة الملامح الأساسية لتطور اللوائح الطلابية منذ الخمسينات، والتي ارتبطت – كما سبق الإشارة – كل مرة بالفلسفة العامة للنظام السياسي في التعامل مع طلاب الجامعات.

 

فقد شهد هذا التاريخ عدد من نقاط التحول الأساسية:

 

· حيث شهدت الفترة من 23 يوليو 1952 وحتى أزمة مارس 1954 أجواء انفتاح سياسي واسعا يعد استكمالا لمرحلة ما قبل يوليو 1952، واستمر نشاط التيارات السياسية بين الطلاب، وشاركت الحركة الطلابية بدور بارز في الحياة السياسية ووقفت مع النقابات المهنية إلي جانب محمد نجيب من أجل الديمقراطية خلال أزمة مارس 1954، ثم أخذ الوضع يتحول بسرعة في اتجاه فرض قيود صارمة على العمل السياسي للطلاب. وكانت السمة الأساسية المميزة للوائح خلال تلك الفترة وحتى عام 1967 هي التضييق التام علي كل أشكال العمل الطلابي، مع جعل عميد الكلية جزءا من كيان الاتحاد ومسيطرا علي قراراته، وكذلك النص صراحة علي حظر للعمل السياسي[4] خاصا في الخمسينات. وهو ما يمكن لنا رؤيته في ظل الاتجاهات الحكومية السائدة آنذاك.

 

· في لائحة66 بدء الحديث لأول مرة علي التعاون المباشر بين اتحاد الطلاب ومنظمة الشباب، وتنفيذ السياسة العامة للتنظيم السياسي، دون وجود لجنة مخصصة للعمل السياسي، ولكن ظل التأكيد علي بث روح الحماسة والانتماء والقومية العربية بين الطلاب، كما ألغت هذه اللائحة وجود أعضاء هيئة التدريس داخل كيان الاتحاد، وأبقت هذه اللائحة علي ريادة عضو من أعضاء هيئة التدريس للاتحاد.[5]

 

· شهدت لائحة 1968تحول رئيسي من خلال إعطاء مساحة ما من الحركة ( داخل إطار الفكر الناصري ) حيث ظهرت لجنة العمل السياسي، والغي ريادة عضو هيئة التدريس، ووجد الاتحاد العام لطلاب مصر الذي كانت مهمته التواصل بين الطلاب في كل جامعات مصر، لمناقشة القضايا الطلابية والوطنية، والتنسيق بين الطلاب، من أجل تكوين رأي عام طلابي تجاه كل ما يحدث، كذلك وجد التأكيد علي بث قيم الوطنية، وأفكار القومية العربية.

 

ومن الجدير بالذكر أن هذه اللائحة جاءت عن إرادة طلابية، فقد تم إقرارها من خلال المؤتمر العام للطلاب في سبتمبر 1968.[6]

 

· وقد شهدت لائحة 68 تعديلا هاما، حيث تم إضافة بند في عام 1969 الخاص بريادة أعضاء هيئة التدريس لكل نشاط من أنشطة الاتحاد من خلال تعيين أحد أعضاء هيئة التدريس في رئاسة كل لجنة من لجانه، كما يعيين رائد الاتحاد بكل كلية بقرار من عميد الكلية بعد موافقة وكيل وزارة التعليم العالي.[7]

 

وربما يكون أحد أهم العوامل التي قامت وراء هذا التعديل هو تصاعد الحركة الطلابية في أواخر الستينات بشكل ملحوظ، ومحاولاتها المستمرة أن تخرج عن عباءة الاتحاد الاشتراكي، خاصة بعد سقوط الحلم الناصري مع نكسة يوليو 1967.

 

· واتت السبعينات بلائحة 76، في البداية التي كانت تحمل العديد من المشكلات لكنها كانت تترك مساحة ما من الحركة، فمثلا حظرت أي عمل طلابي خارج إطار الاتحاد، ولكنها اعتبرت العمل السياسي أحد أشكال العمل الطلابي المتاحة، كما إنها اعتبرت التواصل مع المؤسسات السياسية خارج الجامعة أحد أهداف اتحاد الطلاب[8]، وأكدت علي استمرار اتحاد طلاب الجمهورية، وتستبعد أي وجود لأعضاء هيئة التدريس في الاتحاد، والتي اعتبارها البعض أحد أفضل اللوائح التي شهدها تاريخ الجامعة.

 

· وبعد أحداث يناير 1977، والتي فجر فيها طلاب الجامعات المصرية مظاهرات احتجاجية ضد غلاء الأسعار، والفساد، - والتي تعتبر من أقوي المظاهرات الاحتجاجية التي شهدها تاريخ مصر الحديث -، التي انتهت باعتقال مئات الطلاب ومحاكمتهم بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، تعلمت الحكومة الدرس جيدا، بأن الطلاب يشكلون خطرا حقيقا عليها من خلال قدرتهم علي التأثير في الشارع المصري، وهنا جاءت لائحة 79 الأشهر، والأطول عمرا في تاريخ اللوائح الطلابية، وانتهت معها الكثير من أشكال العمل الطلابي التي كانت متاحة أحيانا، وعلي رأسها العمل السياسي، وفرضت عددا من القيود كانت نتيجتها الطبيعية ما وصل إليه الحال الآن، بداية من منع كل أشكال العمل السياسي، مرورا بشرط الريادة من أعضاء هيئة التدريس علي أي نشاط طلابي، انتهاءا بالتواجد الأمني في الجامعة وإعطائه صلاحيات غير محدودة في تعديل المادة 317 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات بالقرار الجمهوري رقم 278 لسنة 1984، والذي غير وظيفة التواجد الأمني في الجامعة من مجرد حماية منشآت الجامعة، إلي حماية أمنها، مع عدم تحديد ما المقصود بأمنها، فأمنها وفقا لتعريف الإدارة الجامعية هو أي طالب يحاول الخروج عن الخط الدقيق الذي ترسمه له الإدارة.

 

· وأخيرا اللائحة الحالية ( 2007 ) التي جاءت بعد 28عام من المطالبة بتغيير لائحة 79، والتي ربما نختلف عن الأسباب الرئيسية في ظهورها في هذا التوقيت بالذات.

 

ولكن ربما نجد عدد من الأسباب أو العوامل التي جعلت ظهور هذه اللائحة في هذا التوقيت والتي يمكن أن نستنتجها عن محاولة تأمل اللائحة فيما وراء النصوص القانونية:

 

1- تزايد مساحات العمل التي كسبتها بعض القوي السياسية في الجامعة بعيدا عن الأطر الرسمية الموجودة في اللائحة، وبشكل خاص طلاب الأخوان المسلمين، الذي استطاعوا كسب مساحة – ربما نختلف عن عمقها ومدي مصدقتها- لكنها يلاشك مساحة ليست بالقليلة في ظل كل تلك القيود، ومن هنا يأتي التأكيد في اللائحة علي ( حظر التجمعات القائمة علي أساس فئوي أو ديني أو عقائدي أو حزبي) [9]

 

2- انتخابات الاتحاد الحر في الأعوام الأخيرة ( اتحاد الطلاب البديل ) وحجم الضجة التي استطاعت أن تثيرها، بصرف النظر عن مدي تقيمننا للتجربة، إلا أنها مما لاشك فيه نجحت في صنع صدي أعلامي ضخم، ( الاتحادات الطلابية الرسمية هي التنظيمات الشرعية المتاحة ).[10]

 

3- جعل البنود المتعلقة بريادة أعضاء هيئة التدريس أكثر وضوحا من خلال التأكيد علي أن عميد الكلية أو وكيل الكلية أو الجامعة يقوم باختيار مستشار من بين أعضاء هيئة التدريس من ذوي الخبرة والثقة للإشراف علي كل لجنة من لجان الاتحاد، وكذلك توسيع صلاحياته ليصبح مسئولا عن كل قرار يتخذه اتحاد الطلاب، كذلك في حالة النزاع بين عضو هيئة التدريس والطلاب، يقوم بالتحكيم بينهم عميد الكلية ( الذي اختار عضو هيئة التدريس في البداية ) ويكونه قراره نهائيا. [11]

 

4- ربما لم تكن المطالبة بتغيير لائحة 79 جديدة، فهو مطلب مشترك للعديد من أجيال الحركات الطلابية منذ الثمانينات، ولكنه تزايد بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، مع قيام عدد من الجهات بتقديم مقترحات بتعديل اللائحة، أو تقديم مشاريع لوائح بديلة، بعضها قدم من حركات سياسية، منظمات مجتمع مدني، أحزاب، تجمعات طلابية، وغيرها، فوجدت الحكومة نفسها أمام اختيارين أما مناقشة أحد هذه اللوائح وإقرارها، أو الضرب بها عرض الحائط وإقرار مشروعها الخاص، وهو ما حدث.

 

5- وإذا نظرنا إلي هذه اللائحة في ظل هذا العدد الكبير من القوانين المقيدة للحريات، بجانب تصريحات وقرارات وزير التعليم العالي حول التعليم الجامعي، يتضح لنا أن هذه اللائحة جزءا لا يتجزأ من السياسة العامة التي تتخذها وزارة التعليم العالي.

 

[1] - أحمد عبد الله، الطلبة والسياسة في مصر، دار سينا للنشر، القاهرة 1991.

 

[2] -نفيسة حسن، الحركة الطلابية في مصر كما تعكسها الصحافة المصرية خلال عقد التسعينات،(في) الشباب ومستقبل مصر، محمود الكردى (تحرير)، أعمال الندوة السنوية السابعة لقسم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 29-30 أبريل 2000، ص62-63.

 

 

 

[3] معتز خورشيد، ومحسن يوسف، تحديات الواقع ورؤى المستقبل، دور الطلبة في حوكمة الجامعات، مكتبة الاسكندرية 2008 ص 13.

 

[4] - المادة 5 من قرار رئيس الجمهورية رقم 1342 لسنة 1958 في شأن تنظيم اتحادات طلاب الجامعات التي تنص على: "يحظر على الاتحادات الاشتغال بالمسائل الدينية والسياسية".

 

[5] - قرار رئيس الجمهورية رقم 4658 لسنة 1966 المواد 2، 15

 

[6] أحمد تهامي عبد الحي، مجلة أحوال مصرية العدد السادس عشر، ربيع 2002، ص 12

 

[7] قرار رئيس الجمهورية رقم 42 لسنة 1969 بتعديل لائحة 68

 

[8] توثيق العلاقة بين الاتحادات الطلابية وبين التنظيم السياسي والمجالس والأجهزة التنفيذية، لائحة 76 مادة 6

 

[9] - قرار رئيس الجمهورية رقم 340 لسنة 2007 بتعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات، مادة 330

 

[10] المرجع السابق المادة 318.

 

[11] لائحة 2007، مادة 325 و 329

 


 
 

أخبار عاجلة

 
 

مجلة هيباتيا

 

 

   

القائمة البريدية

 

 

مؤسسة حرية الفكر والتعبير مع حق الجمهور في المعرفة وتداول المعلومات

محتوى الموقع منشور برخصة المشاع الإبداعي العزو- لغير الأغراض الربحية، الإصدارة 3.0 غير المُوَطَّنة.